الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت

الرقص عند شعوب الأرض لغة للجسد قد تعنى متعة أو تعبير عن فرحة أو تحرير للروح، أما الرقص عند الإفريقي فهو لغة للحياة والموت وما بينهما، هو طقس أساسي لا يتم الاستغناء عنه في مجمل حياة الإفريقي اليومية، هو لغة تستطيع الصراخ والضحك واللعب والكراهية أو مقاومة الخوف والبلادة.. فالشعوب الإفريقية هي أول من عرفت لغة الجسد أي الرقص، وهي أول من وطدت سلطة هذا الطقس وسيدته منذ الميلاد وحتى الموت.

 الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ١

لا يذكر التاريخ تفوقًا ما لحضارة أخرى في فنون الرقص والتعبير بالجسد، ومازالت الرقصات الإفريقية هي الأكثر قدرة على تجسيد معظم المشاعر الإنسانية في مختلف الظروف والمناسبات.

وفي واحدة من أهم الدراسات الجادة عن الرقص الإفريقي يقول د. عز الدين إسماعيل إن ثمة حقائق تاريخية لم يثر حولها الجدل بين أساتذة علوم الموسيقى والرقص، وهي أن الشعوب الإفريقية هي أول شعوب العالم معرفة بفنون الرقص والموسيقى، كما أنها من أصدق الجماعات الإنسانية تعبيرًا عن بيئتها الفنية لاسيما فن الرقص، حتى برع الإفريقي - في عصر الصيد - في محاكاة الحيوانات التي كان يصطادها في الغابة وتقليد حركاتها بطريقة تقليدية.. 

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٢

ولعل أقدم ما وصل إلينا من أشكال الرقص الإفريقي المدون، تلك الرقصة التي عثر على لوحة منحوتة تصورها على إحدى صخور جنوب أفريقيا، تلك اللوحة التي قلدها الرسام (جورج ستاو) وعرضها في عام 1867، وفيها نرى رجلا يرقص وهو ممسك بعصا رفيعة طويلة وخلفه خمسة من الرجال يقلدونه في حركاته رافعين أرجلهم اليمنى، وأيديهم قليلا إلى الأمام مثله، بينما يوجد أسفل الصورة حيوان يرمز إلى الغزال الذي يعبر عن مصدر الحركة الراقصة.. والرقص الشعبي في إفريقيا كما يعرفه المفكر والفنان الإفريقي المعاصر "كتافوديبا" هو طابع طقوسي سحري من طبائع الحياة الإفريقية لا ينفصل عن أي شيء آخر بها، وهو مزيج من النغم والحركة أبعد عن أن يكون فناً مستقلا، كما هو الحال بالنسبة للرقص الأوروبي.

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٣

والرقص يتعلمه الأفارقة كما يتعلمون الكلام، ليعبروا عن مشاعرهم وأحاسيسهم، وأيضا طموحاتهم وأمانيهم، ويتميز بمقومات درامية تعكس صورة الصراع المتبادل بين الإنسان الإفريقي وقوى الطبيعة المحيطة به

هذا التعريف الموجز للرقص يشير إلى علاقته بالحياة، داخل المجتمعات الإفريقية وهي علاقة وثيقة متلازمة تكاد تجعل منهما شيئًا واحدًا أو على حد تعبير الكاتبة الزنجية الأمريكية بيرل بريمياس: "الرقص عند الإفريقي هو حياته. وبين الرقص والحياة زواج مغناطيسي، وحين أكتب عن الناس والحياة في إفريقيا، لا أجد أمامي مصدرا أصدق من الرقص."

ومن هنا كانت الجماعية سمة أصيلة للرقص الإفريقي، فالناس في إفريقيا كلهم يرقصون، الأطفال والصبية والشباب والشيوخ، رجالا ونساء.

وليس من الممكن هنا أن نقدم حصرًا كاملًا لأنواع الرقصات الإفريقية التي تمارسها الجماعات على اختلاف مواقعها الجغرافية، لكن من المناسب أن نعرض فقط لأهمها، وأكثرها شيوعًا. ومن التعرف على دوافع هذه الرقصات يمكن أن نتبين مدى أهميتها وأثرها العميق في حياة الإفريقي، والتي تمثل في تتابعها دورة الحياة الكاملة من بدايتها إلى نهايتها وهي المجموعة التي تتكرر في كل مجتمع إفريقي.. من رقصة الإخصاب، فرقصة الميلاد، فالتكريس أو البلوغ، فالخطبة، فالزواج، فالموت، وهي المراحل التي يمر بها كل كائن حي.

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٤

في بعض القبائل يكون الاحتفال بالمولود الجديد عن طريق إشعال بعض الأوراق من الأشجار المقدسة عندهم، وتمرير الطفل عبر الدخان الناتج مرات ومرات، فهناك معتقد أنه بهذه الطريقة لن يتعرض الطفل للخوف طوال حياته! ومن المتفق عليه أن الشعوب الإفريقية قد عرفت الرقص عن طريق احتكاكها الدائم بالحيوان في الحياة البدائية، حيث ظهر الرقص في البداية نوعاً من أنواع التقليد لحركات الحيوان، إلى أن أصبح وسيلة تعبير أتقنها الإنسان البدائي حتى أبدع فيها، فالرقص بالنسبة للشعوب الإفريقية لم يعد وسيلة للتعبير عن الفرح فقط، بل أصبح له مدلولات أخرى كثيرة، فقد يكون وسيلة للترحيب بالغرباء، أو وسيلة للإعلان عن الحرب، أو حتى احتفالاً بالولادة أو الإخصاب، ففي موريتانيا هناك عادة تسمى "خومبل" وتتمثل هذه العادة في التغلب على المتاعب التي يسببها العمل مع غروب الشمس، وذلك من خلال الاستماع إلى الموسيقى الصاخبة والرقص لساعات، حتى يتبدد كل ألم، فضلاً عن جلب الحظ السعيد لليوم التالي.

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٥

والرقص الإفريقي تعبير يخص بالأساس إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وغالبا ما يكون لها العديد من الأنماط الموسيقية والحركات والتعبيرات التي تختلف من قبيلة إلى أخرى يتم تداولها شفويا جيلًا بعد جيل. ويعد إقليم غرب أفريقيا الأغنى بالتنوع في مجال الرقص والموسيقى التقليدية، برقصات مثل رقصة التضحية "دالاباني" ورقصة الخصوبة "أوانجالادوجو" ورقصة الصيد "ياموسوكرو" ورقصة الفضيلة، وهي رقصات غنية بالتعبيرات الرمزية، يستخدم فيها الراقصون الأقنعة والأزياء وتعتمد أحيانا على التمثيل الصامت "البانتومايم" والرسم بحركات الجسم، وكأنما أجسادهم تخبرك رسالة ما مع كل انتفاضة نشوانة بحمى الرقص اللاهبة .

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٦

ولا تدع عفوية أداء الرقص الإفريقي تخدعك وتتصور أنه مجرد فن عشوائى بلا قواعد، فالتدريب الموسيقى في المجتمعات الأفريقية يبدأ عند الولادة مع أغانى المهد ويستمر مع مراحل الحياة المختلفة سواء في العمل أو بالمناسبات الاجتماعية المختلفة، وعلى الراقصين وقارعى الطبول أن يدرسوا الاختلاف والتباين بين الحركات والإيقاعات المختلفة إلى أن يتقنوا الرقص والأداء، وغالبا ما يحصلون على التقدير من المشاهدين كما ينالون بركات شيوخ القبيلة.

وتمثل دقات الطبول النص اللغوي الأساسي الموجه لأداء الرقص، وهي أداة هامة في الثقافة الموسيقية الأفريقية رغم أن أكثر الأصوات المستخدمة في الموسيقى الأفريقية هي صوت الإنسان كما في قبائل الماساي التي لا تستخدم الطبول وتعتمد على التنغيم بأصوات فمية.

وإلى جانب الطبول تستخدم في إيقاعات الموسيقى الإفريقية التقليدية طائفة واسعة من المواد الصلبة الرنانة مثل: الدلايات والأجراس، وتدريس الإيقاع على الأصابع فيما يسمى "بيانو الإبهام"، والقرع بالعصى والصنوج القشية والطبول الأسطوانية والمزامير والأبواق المصنوعة من الخيزران وقرون الحيوانات بالإضافة الآلات الوترية التي تم اقتباسها من الثقافة العربية مثل القيثارة والعود والقانون الفلوت والصافرات والتصفيق باليدين وختم القدم، ولكل أداة من هؤلاء قوتها الدرامية ودورها في التعبير عن مغزى الرقصة أو الأغنية.

الرقص الأفريقي لغة الحياة والموت ٨

 يكون من الغريب أن نتصور مجتمعا يرقص في مناسبة الموت ولكنه تقليد لا يرى فيه الإفريقي هذه الغرابة التي يراها غيره، لأن الإفريقي يعتقد أن دورة الحياة إنما تكتمل بالموت أو على حد تعبيره بالعودة إلى العالم اللا منظور، لأن المرء حين يموت ينتقل إلى عالم الخلود مع أرواح السلف.. وفي هذا خير كبير لمن فارق حياة الأرض.. وعلى الأحياء أن يسعدوا بهذا الخير وأن يعبروا عن فرحهم المصوب بالغناء والطبل.. 

ولقد لخص الفيلسوف الإفريقي المعروف، ألكسيس كاجامي، سر سعادة الإفريقي بالموت، وعدم إحساسه العميق بالحزن بقوله أن (الفلسفة الإفريقية تؤمن بالخلود، فالموت ليس إلا الامتداد الأولى للحياة المنظورة. والإفريقي ينظر إليه باحترام، تماما كما ينظر إلى الميلاد.. ولهذا يحتفل بموت أقاربه وأعزائه بالرقص. لأنها المناسبة التي سيعود فيها الميت إلى أرواح أسلافه).