دراما وبرامج رمضان هذا العام: استمرار الانحدار

الدراما المصرية في انحدار مستمر.

مبتعد منذ سنتين تقريباً عن الكتابة في الصحف عن الدراما المصرية.. حتى اللقاءات التلفزيونية قاصرة عندي على قنوات احترمها وبها مساحة من الحرية تسمح لي ان اقول وجهة نظري بحرية خارج سرب التطبيل وجيتوهات المصالح.. وهذا العام بالتحديد وبعيدا عن التحجج بفيروس "السيد كورونا".. هذا اللقب استعيره من صديقي الكاتب المغربي الكبير أنيس الرافعي.. هذا الفيروس الذي اصبح شماعة لتعليق اخطاء الجميع..

مع العلم ان الدراما المصرية تعاني منذ سنوات من اضمحلال وتدني بعد ان ساد فيها صوت واحد.. منتج واحد.. تسطيح تام للعقول.. تغييب كامل للفكرة في كل المواضيع التي تتناولها الدراما.. اضف الى ذلك غياب أهم المخرجين المصريين أصحاب الهمنية والاحتراف.. فظهر مخرجو (النص لبة) مخرجو السبوبة والسيناريوهات المكتوبة بشكل سيئ.. ورغم ان مصر تمتلك روائيين وكتاب قصة كبار كتبوا روايات ومجموعات قصصية من السهل تحويلها الى اعمال سينمائية ودرامية.. إلا انه وللاسف يعملون بمبدأ (شراء العبد ولا تربيته)..

وخلال شهر رمضان الحالي انعزلت تماما وتابعت 17 مسلسل مصري.. ومسلسلين من سوريا ومسلسلين من الخليج.. وبعض الحلقات من مسلسلات من المغرب العربي.. الملاحظة العامة ان الدراما العربية تنحدر نحو الأسوأ.. في كل عام يزيد الطين بلة.. وككل عام يبقي الانتاج الدرامي محصورا بين نجمات الـ(Barbie style) وهن النجمات اللاتي لا موهبة لديهن سوى شكل الباربي البلاستيكي الميت بلا روح التي اُنتج لها مسلسل لأن زوجها منتج العمل فرضها على المشاهد دون موهبة منها.. أو تلك التي رغم عدم امتلاكها لأي موهبة فينة في التمثيل غير عمليات البوتكس والشد وابتسامة هيليود بالأسنان اللامعة.. وكأن درما هذا العام تحت رعاية (اطباء الأسنان والتجميل)..

لا مشكلة لدي ان ينتج أحد لزوجته او صديقته او أحد معارفه مسلسلا.. ولكن لا تفرضه علينا بالغصب.. ثم ما اذا انتقده احد خرجوا على المشاهد المجبور (مش عاجبك ما تشوفهوش).. والأغرب انه – وككل عام – سيطالعنا الإعلام وقنوات التلفزيون بلقاءات وبرامج ومديح عن ان هذا المسلسل (الفاااااااااااااااااااااشل) حقق اعلى نسب مشاهدة.. وأن هذه النجمة التي كل مواهبها في التمثيل نفخ شفايفها أو استدارة وسطها او طريقتها (السيكسي) في النحنحة والسهوكة.
أو مثلا تسأل مذيعة أو مذيع النجمة الجديدة التي ظهرت العام المضي عن سر نجاحها العام الماضي والعام الحالي في ادوارها.. فترد عليك لأنني اذاكر واختار ادواري بعناية وادقق في الأختيار.. وتسألها سؤال آخر.. كيف تختارين واول عمل لك كان مع المخرج (فلان) اخوكي.. وثاني عمل كان ايضا مع المخرج أخوكي.. أو زوجك.... أو .. أو... وافتح القوس.

تقيم الاعلانات والآلة الدعائية الدنيا ولا تقعدها عن اننا انتجنا اول مسلسل (خيال علمي) ثم وبعد ثالث حلقة تضحك من تسميته مسلسل (خيال علمي) وان اسرائيل معترضة وتريد ايقاف العمل.. اسرائيل يا عزيزي بها صحف تكتب عن كل شئ واي شئ يخص الوطن العربي.. اسرئيل تتابع الوطن العربي أكثر ما نتابعه نحن العرب.. خبر عبيط في جريدة اسرئيلية بعده اقيمت الدنيا ولم تقعد.. ثم تستمر في مشاهدته.. وتعطيه "فرصة ثانية" ليتبين لك أنك أمام مسلسل ساخر كوميدي هزلي لا يرتقي حتى لمسلسل كومكس للاطفال.


ثم ككل عام.. قضايا على برامج معدة مسبقا.. مأخوذ أجرها بين الطرفين (الضيف – والمضيف) ليقنعوك بمسرحية هزلية اسمها برامج اثارة كرامز جلال.. ولانني في الوسط منذ سنوات.. اعلم ان هذه القضايا مجهزة سلفاً.. لأنها تتكرر بذات الشكل والأشخاص تقريبا كل عام.. وككل عام.. ترفع القضايا.. وتتناولها الألة الخبيثة للميديا بالأتفاق الضمني.. والمشاهد يعلم.. والمنتج يعلم.. والضيف يعلم.. وجميعنا نشترك في ان يأخذ كل واحد فينا دوره في تلك المسخرة من باب الدعاية.. كمن يسرب لنفسه فضيحة حتى يبيع فيلمه او كتابه او حتى اغنيته... اما القضايا ايضا بالأتفاق.. عندما تسمع ان حدأة أقامت دعوة قضايئة على نسر لخوفها على فراخ الكتاكيت من القتل.. والتهمة جاهزة (افساد الذوق العام).. يومين ويشتهر البرنامج اكثر.. ويقع من لم يقع في الفخ.. كمشهد عادل امام ومحمد هنيدي في فيلم المنسي وهو يسأله (هو الفيلم قصة ولا مناظر) فيسخن المشاهد.. وتتحرك غرائزه.. ويدخل ليجد انه لا توجد قصة ولا مناظر ولا حتى دراما.

أما عن الدرما فحدث ولا حرج.. اخطاء في الاخراج.. في السيناريو.. في التصوير.. كمية راكورات تدخل بها الدراما المصرية قائمة جينس ريكورد بجدارة.. ولو ان استاذنا المخرج العظيم صلاح ابو سيف او كمال الشيخ موجودون الأن بيننا لأنتحروا بانفسهم.. ولو ان استاذنا داود عبد السيد يتابع ما يحدث لأصيب بجلطة دماغية.
وأمام كمية هذا العته والتراجع والابتذال نجى من هذا (العك) مسلسل او مسلسلان.. ولكن ستظل هذه الآلة الجهنمية تغيبك وتعمل على تجهيلك.. رغم ان المشاهد يفهم كل ما يدور وهو مستمتع بقزقزة قرطاس (لب).. ثم ينتهي موسم دراما رمضان وتبدأ برامج النفخ في الميت وتجميل القبيح ولقاءات التوك شو عن عبقرية المسلسل والسيناريو والمخرج بمنتهي البجاحة وكأن المشاهد آت من كوكب زحل أو قادم من المريخ على ناقة.

الشئ الوحيد الذي تستطيع ان تسميه دراما وبه بصيص من امل هي الدراما السورية.. مسلسل مثل (مقابلة مع السيد آدم) رغم ان الموسم الأول منه أكثر من 30 حلقة.. وكل حلقة 40 دقيقة.. الا انه كتب بحرفية.. حاول المخرج والمؤلف الإبتعاد عن امراض الدراما العربية من المط وممثلات ونجمات (الباربي ستايل) المحقونات بالبوتكس والسيليكون والمختفيات تحت اطنان من المكياج والنحنحة والسهوكة والمحن.. مسلسل كهذا رغم بعض الهنات التي شابته سأتحدث عنها فيما بعد.. يجعلك تحترم الدراما السورية.. العراق وسوريا ومصر ثلاث دول من اهم الدول العربية لهم تاريخ وحضارة.. للاسف تراجعت الدراما العراقية.. والدراما المصرية في سيرها بتسارع مستمر نحو الإنحطاط واللا مهنية والمحسوبية، حيث المنتج يصدر لنا زوجته الغير موهوبة بالمرة بوجهها البلاستيكي المحقون بالبوتكس وصدرها الملغم بالسيكون وطريقتها التي تدعوا للترجيع بتمثيلها المزيف..

خذ مثلا الدراما السورية.. وياللعجب.. الممثلة تصحو من نومها منكوشة الشعر كالنساء الطبيعيات.. لا مكياج أوفر.. لا بوتكس.. لا راكورات.. لا مط (الا قليل).. ممثلة واحدة كبطلة مسلسل مقابلة مع السيد آدم (رنا شميس).. شيطانة تمثيل.. و(غسان مسعود) الرائع في ذات المسلسل.. مع قصة بسيطة ولكنها شيقة .. تجعلك في شغف دائم لانتظار هذا العمل..

اما عن اسلوب التمثيل بأكتاف الأسطورة محمد رمضان باسطوريته وضربة الشلوط المعتادة عنده وجعارته ودمعته التي لا تنزل الا من عين واحدة هي عينه اليمنى منذ ظهر لنا.. لا تدمع عنده الا عينه اليمنى فقط.. هذا غير الأخطاء القانونية والإجراءات الجنائية والاستسهال والرخص في النمطية والنحت.. محمد رمضان نجح لأن من حوله من ممثليين مجموعة أخذوا مساحاتهم الحقيقية.. نجح لأن هناك ممثلين حقيقين.. لا النجاح منسوب له لوحده.. محمد رمضان مدة ظهورة أو مشاهده في مسلسل مدته 15 ساعة لا تزيد عن 15 دقيقة.. ولكنه نجح لأن من معه هم سبب نجاحه.. هذا رأيي وقلته كثيرا في الصحف والتلفزيون المصري ومُصر عليه..

أما عن الدراما الخليجية.. فهي أكثر إنحطاطا وتطبيعا وسوء.. أتكلم عن مسلسلين فقط شاهدتهم هم (أم هارون) و(مخرج 7).
بعد رمضان ستستمع الى حورات ومعجزات عن نجاح مسلسلات فاشلة بجدارة .. ولكن هو اصرار الغبي على انه اذكي الناس.